الرئيسيةفـــن المحاكمهس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فـــن المحاكمه ... وما يجب ان تكون عليه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المستشار التحكيمى
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 791
تاريخ التسجيل : 25/06/2010

مُساهمةموضوع: فـــن المحاكمه ... وما يجب ان تكون عليه   الأربعاء سبتمبر 15, 2010 6:24 pm


فـــن المحاكمه ..

بسم الله الرحمن الرحيم

ندرك جيدا إن الحديث عن فن المحاكمة في منطقة لا تعير القضاء, بأكمله,
الأهمية التي يستحق, و لا تعترف له باستقلال ـ رغم النصوص الدستورية,
المعلقة ـ أو بأي قدر من احترام.. وليس لقضاته مهام القضاء المحددة
والمعروفة في دولة القانون. "السلطة" القضائية فيها لا تسمو إلى فاعلية
أية سلطة, وإنما قُلصت إلى جهاز, مجرد جهاز في خدمة المتحكمين بالدولة,
وتحت تصرفهم, كباقي الأجهزة المسخرة لهذه الغاية.

وندرك أن مثل هذه الكتابات قد تصل بشق الأنفس لبعض النشر, وبالصدفة
للقارئ, غير المؤمن بفعل الرؤية والتجربة, بما يسمى نزاهة القضاء أو
استقلاله. وان المدّاحين والمروجين, والنصوص "المُضمنة" في مدونات
(codes) الإجراءات والقوانين بأنواعها, و شعارات العدالة, وميزانها, كل
هذا لا يقيم عدالة حقيقة , ولا يبرهن على وجودها.

وندرك أن الحديث في هذه المواضيع وما يشبهها, ليس من قبيل الترف
الفكري. فنحن في منطقة لم تقم الدولة فيها بعد, رغم مظاهرها, والحاجة
كبيرة لمعرفة كل ما يجب توفره لبناء الدولة الحديثة, وفي شتى المجالات
ومنها, بشكل خاص, الحديث عن القضاء والقضاة.

و ندرك أيضا أن كل عمل مخلص يتوخى وضع لبنة في بناء دولة القانون
والعدالة, المؤسسة على الديمقراطية, وحقوق الإنسان, وفي أي مجال, هو
جهد غير ضائع ومرحب به. فالبناء لا يستقيم إن لم تقام كل جوانبه على
أسس سليمة. وبجهود الجميع, دون إقصاء أو استثناء.

كما ندرك أهمية وضع تجارب الآخرين وخبراتهم في خدمة مجتمعاتنا, خاصة
وأننا أصبحنا الضفة الأخرى, الجنوبية, الساعية للتوازن مع "شقيقتها
المنافقة" الضفة الأخرى, الشمالية, في اتحاد متوسطي.

وندرك في مجال القضاء, موضوع السطور القادمة, إن من المفيد متابعة ما
عرضناه في المقالات السابقة عن فن المحاكمة لمؤلفه غي توييه Guy
Thuillier , وعرض الفصول الأخيرة من كتاب يعتبر من الكتب الهامة
والقليلة في فن المحاكمة. هذا ما ندركه نحن على الأقل, راجين أن
يوافقنا القارئ في ذلك.

يتحدث المؤلف في الفصول الأخيرة عن النتائج, وتصورات القاضي, وقواعد
اللعبة, والمستقبل في هذا المجال.


1 ـ النتائج:


يرى أن قواعد "اللعبة" غامضة, قاتمة, إدراكها محدود, حتى مع توفر بعض
التجربة في المحاكمة. فالقاضي ليس دائما في مناطق واضحة لدى ممارسته
مهامه (وهذا مصدر قلق له). يعلم ما هو المطلوب منه. ويعلم, بقدر اقل,
ما يطلبه هو من ذاته. كما انه في شك حول الالتزامات التي يفرضها عليه
ضميره.

بعد تفحصه الملاحظات السابق تقديمها في الفصول السابقة, يخلص المؤلف
إلى تسجيل أربعة نتائج:

النتيجة الأولى:

وجود عدم يقين كبير حول المبادئ المتعلقة بفن المحاكمة. وهذا ما يؤكده
المؤلف متسائلا: هل يمكن لفن المحاكمة أن يكون واحدا, مها كان نوع
النظام القضائي ؟. من المعروف جيدا اختلاف ذهنية قاضي القضاء العادي عن
ذهنية القاضي الإداري. كما من المعروف أن المحاكمة في مرحلة الاستئناف
مختلفة عن المحاكمة في الدرجة الأولى. ولكن من غير المعروف, بما فيه
الكفاية, مدى وحدود الوكالة أو "المهمة" الموكولة للقاضي غير المهني,
الذي غالبا ما يشغل وظيفة أخرى غير القضاء, وله طرق مختلفة في
الاستدلال. لا احد يملك رؤية واضحة عن المحاكمة.


النتيجة الثانية:


الحديث عن فن المحاكمة قد يُدهش. فالاعتقاد السائد إن الأمر متعلق
بتطبيق شبه آلي للقواعد القانونية. (هذه الفكرة منتشرة في أوساط
المحامين الذين يحاولون دفع القاضي بهذا الاتجاه, مروجين بان ليس له
حرية المناورة, وهذا ما يغضب كثيرا القضاة ). مع رفض الاعتبارات التي
تفرضها الحياة الخاصة والنفسية للقاضي. وجرت العادة على إتباع طرق
التحليل التربوي (وهو ما يفسر دون شك إن المؤلفات القانونية لا تتحدث
عن فن المحاكمة, مثلما لا تتحدث مؤلفات العلوم السياسية عن فن
السياسة).

ليس هناك فينومولوجيا phénoménologie (علم يدرس الظاهرات كما تبدو بصرف
النظر عما وراءها من حقائق) للمحاكمة. ولا احد يعلم عنها شيئا لنقص
المصادر ذات المصداقية (لا توجد مذكرات قضاة, ولا تحقيقات شفهية دقيقة
حول الموضوع).

كيف يعمل ذهن القاضي؟. ما هي توجهات أفكاره ابتداء من اتصاله الأول
بالملف وصولا إلى تحريره الحكم أو القرار؟. ويستشهد هنا بالرئيس
Bernard Chenot( وللتنويه, هذا الأخير رئيس في محكمة النقض الفرنسية,
وليس رئيس الجمهورية كما يفهم عندنا للوهلة الأولى, حيث الرئيس هو
الرئيس و لا رئيس إلا هو, فرؤساء الجمهوريات في غير عالمنا العربي ليست
لديهم الموهبة الشاملة لصياغة كل شيء, بما فيه فن المحاكمة, أو حتى
لصياغتها تحت رعايتهم وتوجيهاتهم) الذي أبدى بعض الملاحظات ضد مفبركي
الأنظمة في المحاكمة, وحول الممارسات الفعلية للقضاة الإداريين, مذكرا
أن التجربة تبين تعقيد المحاكمات, فالتردد , والزلات, والعثرات,
والأرق, والمناقشات مع الآخرين قبل وخلال المداولات, والحساسيات
الشخصية, كل هذا إضافة للمبادئ الأخلاقية , تنعكس جوانب منها على
الأحكام والقرارات الصادرة عن القضاة. كما أن لكل قاض, من حيث المبدأ,
طريقته في المحاكمة, وليس من السهل تقييمها.
ويمضي المؤلف للقول بضرورة الاعتراف بالجهل في هذا المجال: لأن لا أحد
يمكنه أن يفهم القاضي إلا إذا كان هو نفسه قاض.

(وقد لاحظ العميد جورج فيدال عندما كان قاض في المجلس الدستوري أنه عمل
سابقا كمحام, وبأنه بروفسور في كليات الحقوق, ولكنه وجد في مهنته كقاض
دستوري مهنة جديدة كليا عليه ..) فالمنطقة ضبابية و لا يخصص لها ما
يكفي من الإضاءة لوضوح الرؤية. التفكير المنصب عليها غير كاف. وعليه ,
يرى من الضروري بذل مزيد من الجهود للتأمل والتفكير بأمور هامة, تتعلق
بالبحث عن الأسباب المؤدية لعدم نزاهة القاضي, و لانحرافه, وكذلك لعدم
كفأته حين لا يكون في مستوى الأعباء الموكولة إليه.


النتيجة الثالثة:

وجوب الاهتمام الدائم بمسألة الخطأ الذي يشوب الأحكام: لماذا ينزلق
القاضي إلى الخطأ؟. بالتأكيد أن الخطأ شيء غير واضح, حتى ولو أن قاضي
الاستئناف رقيب على الأخطاء في الشكل والموضوع, فلا نعرف كيف يصفه,
ليست هناك نظريات تتعلق بالخطأ. و لا نعرف الآليات التي تقود إليه.
ولكن الخطأ ممكن توقعه كما أن هناك معدلا من الخطأ يمكن التسامح به
بالتوافق: وهذا ما يثير بالضرورة بعض المشاكل. مصدر الخطأ يعود غاليا
للطبيعة الإنسانية الضعيفة. ولشروط تكوين واختيار القاضي. وللطرق
المعتادة في الاستنتاج. والى جنوح خيال القضاة.


النتيجة الرابعة:


تقتضي المحاكمة الجيدة, من حيث المبدأ, الرؤية المسبقة والتقدير الصحيح
للنتائج التي ستترتب على الأحكام والقرارات, وهذا يتطلب الإلمام الجيد
بممارسة مهنة القضاء, ومعرفة دقيقة للمبادئ . فعلى القاضي توقع, في
الوقت المناسب, الإخطار المتربة على هذا القرار أو ذاك, متسائلا إذا
اتخذت هذا القرار فهذه النتائج التي ستترب عليه. وإذا اتخذت القرار
الآخر فهل ستكون النتائج أكثر خطورة؟. إذن لا يستطيع القاضي, مهما كانت
درجته, إن لا يهتم بالنتائج المترتبة على قراراته.

لا شك أن القوانين, والقرارات الوزارية, المصاغة بشكل معيب تقود إلى
الخطأ. فيترتب عليها غالبا تفسيرات غير موفقة, مما يتسبب في صدور أحكام
ظالمة. مثل هذه القوانين والقرارات مسؤولة كذلك عن خطأ القاضي وإيقاعه
فيه. فتوجهه للحكم طبقا لقواعد الإنصاف, وبحثه عن الأخطاء المتوقعة, قد
يقود إلى الفوضى في المبادئ. ولكن هل يوجد قاض لم يتجشم الصعوبات في
محاولاته الحكم بالعدل ؟, وعندما يحاول تعويض النقص الذي تركه المشرع,
أو الوزير, بإحلال مبادئه محل القانون الساري, لا نعلم عندها, بشكل
جيد, إذا ما كان قد احترم, في هذه الحالة, الوكالة الممنوحة له, أو
النظام القانوني الذي تقوم عليه أساسا مشروعيته. ولا مقدار المتاعب
التي يعرض نفسه لها.

فالقاضي , مهما كانت درجته, عليه أن يتساءل عن مدى حدود وكالته, مهما
كانت الضغوط الواقعة عليه, الإيديولوجي منها أو السياسي. وعن مقدار
اتساع الهامش الذي يمكنه المناورة فيه؟ وهي تساؤلات تبقى مصدر نقاش
فقهي غير محدود. وعلى كل في مجاله وفي موقعه في النظام القضائي التفكير
العميق فيها: هناك ما هو ما وراء au-delà المحاكمة, وهو ما لا يجب
إهماله.

2ـ تصورات القاضي
يرى المؤلف أن إذا ما أريد تأليف مؤلف عن فن المحاكمة, توجب مقدما,
تخصيص جزء منه للحديث عن تصورات القاضي وتخيلاته. ولكن كيف يمكن وصف
هذه التصورات و التخيلات ؟ خاصة ونحن هنا في منطقة داكنة, أو حتى
سوداء, مع مشاعر قلما تكون ملائمة, أو تنزع للبوح عن وجودها. فالقاضي
لا يرغب في ملاحظة "فوضاه الداخلية" وبحكم تكوينه المهني يصعب عليه فهم
وقبول الفوضى وانعدام النظام. (هناك الكثير من التناقضات والأشياء
الغامضة, ومشاعر نابعة من الحياة اليومية للقاضي: الفوضى أشكالها
متنوعة جدا كتنوع الأشخاص). التصور, والشطط في التخيلات, وأحيانا تسلط
المشاعر وضغوطها, كل هذا يلعب, كما يرى, دورا في المحاكمة, وبالتالي
للانحراف بالأحكام نحو الخطأ.

ويحاول المؤلف تحليل الأشكال المتعددة للتصورات أو التخيلات ليلخصها في
خمسة أشكال:
----
1ـ يحلم القاضي بان يكون على قدر كبير من الاعتبار, وبان يمارس التأثير
السلطوي والهيمنة ( فيرغب بان يؤثر في المداولات وحتى بإدارتها). ولكن
هذا ليس إلا من قبيل الأحلام التي لا تصمد للواقع, خاصة عند عدم توفر
المؤهلات الكافية لديه.

2ـ يحلم بابتكار قواعد, وبالتنظير. وقد يعتقد بقدرته على بناء طريقة أو
نظام محاكمة (هذه الأحلام تعود إلى مراحل تكوينه الأولى).

3ـ الحلم بالتميز. بأن يكون قاض مشهور ومتميز عن زملائه. والاعتقاد
بالتفوق.

4ـ يحلم أحلاما فلسفية. تتمثل بالاعتقاد بأنه اختير لتعريف العدل
والظلم. (فهو كأداة من أدوات الله المسخرة في هذا المجال). وللتصدي
للظلم. والعمل على تمييز العدالة الحقيقية عن العدالة الزائفة. ويصل به
الأمر إلى درجة التعصب, والاعتقاد الذي يشبه العقيدة الدينية المتزمتة,
لمهنته. وهذا شيء خطير في مهنة مبدأ " الاحتمال" فيها أساسيي. وتفترض
الحذر, وعدم الإفراط في التفاؤل.

5ـ الحلم بالاستقلال. يعتقد القاضي بأنه مستقل, عند التجرؤ على قول كل
شيء. و قد يقود هذا إلى سلوكيات تفتقر للعقلانية (مجرد الشعور
بالانتماء لجسم معين يحدد بالضرورة الاستقلال).

هذه الأحلام تمس صورة القاضي: فقد يكّون عن نفسه صورة مغلوطة, بفعل
التخيل, مغالى فيها, مما يفقده القدرة على تحدي التصورات الزائفة.
ويمكن الذهاب بعيدا في هذا المجال والبحث عن العوامل التي تؤدي إلى
زيادة خطورة هذه التصورات والأحلام:


العامل الأول:

التقدم في السن. عندما يتقدم القاضي في السن يصبح متسامحا وعطوفا,
وأكثر مرونة. ولكنه مع ذلك يمكن أن يصبح أكثر تصلبا وتزمتا. لا يعمل
على تجديد أفكاره. ويصطدم بالشباب من زملائه.

العامل الثاني:

الطموح. طموح القاضي المفرط للترقي واخذ مواقع متقدمة في السلم
القضائي, يمكن أن يقوده إلى أنواع من السلوك غير المتزن. فاستبداد هذا
الطموح به, وسيطرته كليا عليه, يؤدي إلى إفساد مقدرته على إصدار
الأحكام السليمة.

العامل الثالث:

السياسة, والعقائدية. تقودان إلى تصورات وتخيلات خطيرة, عن طريق طرح
أفكار ونظريات فقهية بحيث تذهب به إلى الانحياز وخلط أفكار العدالة
بالأفكار السياسية. وهذا يجره إلى الخطأ, والخروج عن الموضوعية,
لتتشابك الخيوط أمام ناظريه.

العامل الرابع:


الإعجاب بالنفس وتقديرها أكثر من قدرها, والمبالغة في تقدير دوره
وفعاليته, هي من اخطر الأمور التي يضع نفسه فيها في وسط مجرد ــ يعتمد
على الأقوال والكتابة ــ فهو بعكس الطبيب أو المهندس لا يرى النتائج
الملموسة لما قام ويقوم به. لا شيء يستطيع منع شطط التصورات والأحلام
غير الوعي الكامل بواجبات الصفة (الواجبات المتعلقة بصفته كقاض, كما
سبقت الإشارة إليها تحت عنوان واجبات الصفة).
على القاضي أن يكون حذرا جدا من مثل هذه التصورات والأحلام, الدافعة
للانحراف, و لنسيان الوكالة الممنوحة له.

2 ـ قواعد اللعبة:

المحاكمة, كما يراها المؤلف, مهنة شاقة, جاحدة, تغير شكلها كثيرا. كل
يلعب اللعبة كما يراها. ومن غير الممكن إعطاء نصائح ـ فهذا شيء خطير ـ
ومع أن عملية المحاكمة عديمة الوضوح, يشير إلى إمكانية تأشير بعض قواعد
اللعبة التي تتلاءم مع كل الأوضاع, ملخصا إياها في خمس قواعد:

القاعدة الأولى:
على القاضي تفحص ودراسة طرق عمله, ومحاكماته, والانتباه المتواصل
لنفسه. وهو ما يفترض مقدرة كبيرة على التحليل. عليه استيعاب القيم التي
يعمل بموجبها, وتطبيقها, والتمعن بتصرفاته, وبما يصدر عنه (وهذا
بالنسبة للقضاة غير المهنيين ليس في غاية الوضوح), والوعي بالحدود
الدقيقة لمهنته.


القاعدة الثانية:


الحذر من نفسه ومن تحديات الآخرين, أفرادا ومجموعات. وهي قاعدة ملزمة.
وعدم الانسياق في التبسيط, والسير على خطى غيره (العمل كما يعمل
الآخرون من زملائه). و الرضوخ للاعتبارات التي تمس بما يعالجه من
قضايا, والآلية في العمل, واللجوء المفرط لأحكام القضاء jurisprudence.
فالمحاكمة تكون لكل حالة بذاتها (فليس هناك تطابق كامل في القضايا ).

القاعدة الثالثة:

تجنب المبالغة في تقدير مهمته, وكل اعتقاد غير واضح بتفوق القاضي,
والاعتراف بعدم معرفة أشياء كثيرة. قلا احد يملك اليقين, خاصة عندما
يلف الغموض الكثير من القضايا. فالقاضي يعمل على الاحتمال: وهذا ما
يُجبر على التواضع, وعلى الحذر من الاستسلام للأفكار المسبقة, وعلى
المزيد من التحفظ. وهو لا يعلم دائما إذا ما قام بالمحاكمة على أفضل
وجه أم لا. والقاضي الذي يعتقد كثيرا بما يقوله أو يفكر به, والمتأكد
دائما من نفسه وفي كل الأحوال, يخاطر بالاحتفاظ بواجبات مهامه وينحدر
إلى الرداءة.

القاعدة الرابعة:

تنظيم الأفكار, والمعرفة الجيدة لواجبات الصفة, و لحدود وكالته كقاض.
وتحديد قواعد اللعبة بشكل متقن وحسب موقعه في النظام القانوني. وبشكل
خاص معرفة طرح الأسئلة الصعبة, الأسئلة الجيدة حول ممارسته لمهنته:
ـ هل قدت جيدا هذه القضية إلى نهايتها؟

ـ هل وجدت الحل الجيد المعقول, الذي يوفق بين الاتجاه الصحيح, والعدل,
والقاعدة القانونية المطابقة للنظام القانوني؟
ـ هل كنت قطعيا, غير حذر, ومتطرف؟

ـ هل كنت نزيها, مستقيما مع نفسي؟ هل لجأت للغش؟ ( يكون غش النفس عند
اللجوء للتسوية, وتجاهل بعض الحجج التي تربك طروحاته).
ـ هل خصصت الوقت الكافي الضروري للتعمق الواعي في الملف؟
ـ هل كنت في الكنيسة في الوقت الذي كان علي أن أكون فيه في القصر
العدلي؟ ( يشير المؤلف هنا إلى ما كان يردده P. Crasset عام 1675 : يجب
إرضاء الواجبات الملقاة على عاتقنا قبل العبادة. " لا تفصل أبدا خدمة
الله عن الوجبات الملقاة على عاتقك, لا تعتقد أبدا ان من المرغوب فيه
التواجد في الكنيسة عندما يكون التواجد مطلوب في قصر العدالة ..". "
احتفظ بدقة بالقواعد المنظمة لمهامك. فهذا حق للناس وهو قيد على حريتك.
لا يمكنك التنكر له وتدعي مع ذلك العدالة").
امتحان الضمير المطلوب ممارسته بشكل دوري, لا يبدو دائما مريحا لبعض
القضاة. فالقاضي لا يحب أن يرى ضعفه, وعيوبه. يريد أن يعتقد بكل ثمن
بأنه قاض جيد وناجح.

القاعدة الخامسة:

تتطلب مهنة القضاء الكثير من المرونة الفكرية, والشجاعة. لا يجب
الاعتقاد بوجود طريقة محاكمة دائمة, فالتغير يتبع التجربة في الحياة, و
التقدم في السن, و هبوط المهنة أحيانا, الذي لا يمكن تجنبه (المحاكمة
المتطرفة, والمحاكمة المتسرعة تقودان بالضرورة إلى نتائج غير مستحبة
وتهبط بمستوى المحاكمة).

وليس استيعاب الصعوبات, كما يشير المؤلف بالأمر السهل: فالمطلوب من
القاضي أن يتحدى ذاته, ولكن هل هناك طرق ملائمة لفعل ذلك؟. لا يستطيع
احد النصح بكيفية التصرف, خارج امتحان الضمير الذي يجب إعماله دوريا,
مع أنه أمر صعب وشاق.

من المعتاد أن يعيش الإنسان تبعا لتقاليد وعادات وأعراف الهيئة التي
ينتمي إليها, ويرى في هذا راحة كبيرة. يربطه هذا بعلاقات غير مرئية, في
الوقت الذي عليه الاجتهاد وبذل الجهد للتعود على التفكير النابع منه
هو, وامتلاك المقدرة والشجاعة لإظهار تميزه. رغم ما قد يخلق له من
مشاكل في المحكمة التي لا تحب الأفكار المستقلة. (ودليل ذلك ما يظهر
جليا في المداولات في القضايا الهامة).
3 ـ
توجهات مستقبلية:


يعترف المؤلف انه من الصعب جدا التنبؤ بتوجهات فن المحاكمة مستقبلا,
طالما بقي الغموض والضبابية, واضطراب الرؤية, تلف الوضع الحالي
للمحاكمة. ومع ذلك يمكن تأشير العوامل غير المواتية التي تعمل على
الهبوط "المحتمل" بها:

العامل الأول:

يمكن أن تلحق بالمهنة عيوبا كبيرة, يتسبب فيها الاتجاه المتنامي
للمنهجية الحالية (فبركة أنظمة لا يجري مراجعتها لاحقا). و توقعات
الأحكام (تحت ضغوط المحامين, ورجال القانون الجنائي, وأساتذة
الجامعات). وآلية المحاكمة ( ازدياد متواصل باتجاه التجريم , والأحكام
المسبقة, والتعميم , والاعتقاد المفرط بقوة أحكام القضاء, تحت ضغط
الشُرّاح والمعلقين الذين هم في غالبيتهم من القضاة ..)هذه الميكانيكية
في الحقوق تثقل النظام القضائي, وتقيد حرية القاضي.

العامل الثاني:
يلاحظ اتجاها متزايدا للمبالغة في سلطة القاضي. وهذا واضح منذ 20 عاما.
فهو يتدخل في مجالات تفتقد للوضوح, ويُجبر فيها على منح ثقة كاملة
"للخبراء". مع ازدياد الفعاليات إلي يُراد للقاضي الذهاب فيها بعيدا,
هو شيء خطير, وتنسيه قواعد الاعتدال الضرورية, ويكون فيها غالبا "مضلل"
من قبل المحامين (الذين يستغلون بشكل مبالغ فيه اللجوء إلى المعاهدة
الأوربية لحقوق الإنسان).

العامل الثالث:
تزايد التشابه, وحتى المطابقة بين تصرفات وشخصيات القضاة, ويعود إلى
التكوين الأساسي والمتشابه, ولانهيار بعض التقاليد, والانقطاع عن نشاط
وفعاليات المجتمع ( قاضي القضائي العادي يجهل الأعمال, والمشاريع,
والإدارة). (ويؤمن بقانون خارق القوة, و"بمبادئ عامة" للقانون التي
تعود في الواقع للسياسة أو إلى ما وراء الطبيعة).

العامل الرابع:

عدم تفكير القاضي وتأمله من وقت لآخر بالمهنة, وبمبادئها, وعدم الخشية
من الهبوط بمستواه إلى مادون مستوى مهامه. وعدم المعرفة الدقيقة لحدود
وكالته, أو الاهتمام بالنتائج المتوقعة للأحكام التي يصدرها. و تجذر
روحية الهيمنة لديه, والثقة الزائدة بنفسه وبتقنياته, متناسيا نسبية
الحقوق وتنوعها بمقتضى المصالح العامة والاجتماعية. وكثيرا ما تبدو
حساسية بعض القضاة واضحة تجاه وسائل الإعلام, média , والرأي العام.
كما تبرز قويا ظاهرة التبسيط, وعدم اهتمامه بان يكون هو نفسه مصدر
أفكاره.
مهنة القضاء مهددة في الاتجاه نحو التدني في العشرين سنة القادمة.
فمفهوم الفردانية الإنسانية في طريقه إلى الاختفاء.

هذه نظرة متشائمة جدا, كما يقرر المؤلف نفسه, ويدعو للنظر والتفكير
بالعوامل غير المرئية المحرضة على تشويه صورة ومكانة القاضي:

ـ تأثير النماذج الأجنبية, وبشكل خاص الانكلو ـ سكسونية, المعتمدة على
طرق أخرى في التفكير في الحقوق, والتي تحاول المؤسسات الأوروبية فرضها
بكل ثمن, بالتواطؤ مع بعض القضاة, وبالتعاون مع المحامين.
ـ تأثير النظريات السياسية والعقائدية الغامضة, الهادفة لتوسيع سلطات
القاضي في المجتمع, وصولا إلى جعله سلطة منازعة للهيئة السياسية
وللمشرع.
ـ تأثير الثغرات في التكوين القانوني والفلسفي (أو الديني) للقاضي,
وهذا متوقع في آفاق الأعوام بين 2010 و 2020 . المحاكمة , كما يراها,
مهنة تفرض أخلاقية عالية جدا, تضمن استقلالية القاضي, ومقدرته على
مقاومة كل الضغوط, فردية كانت أم جماعية.
قواعد فن المحاكمة معرضة لمخاطر أكيدة وجدية, أمام محاولات تهديم
التقاليد التي تضمن الاعتدال عند القاضي. فيُراد, على سبيل المثال, فرض
فصل التحقيق عن الحكم, باسم مبادئ غير واضحة للحكم "العادل", ولكن لا
احد يعلم كثيرا أين وكيف سندخل في هذا التوجه.

خاتمة:

في خاتمة مقتضبة, يعلن المؤلف بأنه لم يقدم في مؤلفه هذا إلا خلاصة
الخلاصة "كنا نطمح لتخصيص 800 صفحة لفن المحاكمة". ومع ذلك ألا يمكن,
كما يقول, استخراج بعض الدروس من هذه التحليلات "الاحتياطية"؟ :

الدرس الأول:

لكل قاض كامل الحرية في فهم مهمته, وفي طريقته في المحاكمة, وفهمه
لواجبات الصفة, وهذا عائد له كليا. لا احد يمكنه أن يقدم إليه النصائح.
وبقدر تقدم السن بالقاضي بقدر ما يتقيد بما تفرضه عادات الجسم القضائي
المنتمي إليه, وبقدر ما يكون أسير العلاقات غير المرئية.

الدرس الثاني:
ضرورة النظر, قبل التفكير بفن المحاكمة, بحياة القاضي, وبالعقبات التي
تواجهه عند المحاكمة. هذا التفكير يأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات
المتنوعة في مهنة القاضي, وهي ليست سهلة. ومع ذلك يجب أن يأتي اليوم
الذي نستطيع فيه بناء فينومولوجيا للمحاكمة.

الدرس الثالث:
يمكن الحلم بفن محاكمة أمثل, ومع ذلك فان هذا ليس إلا حلما, لدينا
معدلات غير متوقعة للأحكام الرديئة , وغير المرضية, أو المعيبة: لا أحد
يهتم بالخطأ أو بهبوط المستوى, لا احد, على ما يبدو يبحث عن ميكانزم
المحاكمة (هناك خوف مما قد يتم اكتشافه ..). ولكن المجتمع سيطالب ألان
أو مستقبلا بالتوسع إلى حدود بعيدة بتقنيات المحاكمة.
منقوللللللللللللللللللل

_________________
المستشار التحكيمى
طارق مجاهد العربي
المحامى
بالاستئناف العالي ومجلس الدولة
عضو اتحاد المحامين العرب
عضو اتحاد المحامين الافرواسيوى
مستشار ومحكم معتمد لدى مركز التحكيم الدولي
محكم معتمد لدى مركز تحكيم حقوق عين شمس
محكم معتمد لدى المركز الدولى للتحكيم والتوفيق
والوساطة والملكية الفكرية
عضو مؤسس للاتحاد العربي لمراكز التحكيم الهندسي
0106089579&0123034902
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almostsharaltahkemy.dahek.net
 
فـــن المحاكمه ... وما يجب ان تكون عليه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اتحاد محامي الادارات القانونية :: الفئة الأولى :: اخبار المحامين-
انتقل الى: