الرئيسيةفـــن المحاكمهس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مذكرات قاضى....ج1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المستشار التحكيمى
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 791
تاريخ التسجيل : 25/06/2010

مُساهمةموضوع: مذكرات قاضى....ج1   الأربعاء سبتمبر 15, 2010 6:58 pm

القانون والناس جريدة ايلاف
المستشار محمد سعيد العشماوي

أوائل عملى كقاض، وُلـّيت القضاء لمحكمة دسوق، وهى مدينة تقع على فرع النيل رشيد، شمال الدلتا، وتـُعد مركزا تجارياً مهما. كانت جلساتى الثلاث تتوزع بين جلسة جنائية، ثم جلسة لنظر قضايا الأحوال الشخصية ولاية على المال (وهى المعروفة بالحَسْبى) وولاية على النفس (وهى المعروفة بالشرعى) ، وكانت الجلسة الثالثة تتعلق بالقضايا المدنية والتجارية والعمالية.
فى جلسة القضايا الجنائية (الجنح والمخالفات) عُرضت على ذات يوم قضية أثرت فىّبشدة، حين عرفت منها حقيقة التراث الشعبى، وأدركت أن عمل المحاكم، بتوقيع العقوبات والجزاءات على الجانح أو الجانى عملا لا طائل وراءه، مادام التراث باق على ما هو عليه، دون إصلاح جاد حقيقى. كانت الواقعة أن المتهم فيها يقود سيارة أجرة تعمل على الخط بين مدينتى دسوق و فوة، فيما يسمى النقل (بالنفـَّر) ، أى بأجرة خاصة لعدد من الأفراد. قاد المتهم سيارته دون كوابح (فرامل) مدة 17 يوما، فلم تقفه (أى تـُوقفه) شرطة أو تمنعه سلطة، إلى أن صدم وقتل سبعة أفراد كانوا يقفون على حافة الطريق، إذ إنحرفت السيارة نحوهم ولم يستطيع أن يقفها (يوقفها) لعدم وجود كوابح. قتل سبعة أشخاص بطريق الخطأ (أى دون قصد القتل ولكن بسبب الإهمال) كان قد صار فى القانون يُعد كارثة، يجب على المحكمة أن تحكم فيها إن ثبتت الإدانة، بعقوبة مغلظة. نودى على المتهم، عند نظر الدعوى، فوقف فى قفص الإتهام. كنت قد قرأت أوراق الجنحة وعجبت أن يقود المتهم سيارته على خط رئيسى دون كوابح مدة 17 يوما، فسألت المتهم عن التهمة فلم يعترف بها أو ينكرها، لكنه أجاب: أمر الله يا سيادة القاضى. فعجبت من قوله ولم أشأ التعجل بتوقيع العقوبة قبل أن أعرف ما فى رأس المتهم من فهم وما فى نفسه من مشاعر. فواجهته بأن التقرير الفنى يشير إلى أنه كان يقود السيارة دون كوابح، وأنه ذكر فى محضر الضبط المحرر بواسطة الشرطة أن سيارته بلا كوابح منذ 17 يوما خلت. قال: وأعمل إيه، كان ربنا ساترها. قلت له: وأين ذهب الستر عندما وقعت الحادثة الفظيعة، أليس ذلك نتيجة خطئك. قال: أبداً، أمر الله، شاء الله وما شاء فعل. قلت للمتهم: وهل تعرف ما سوف يحدث لك؟ قال: نعم، الحبس 7 سنوات. قلت له: وما تقديرك فى ذلك، ألست تحبس لخطئك وإهمالك. قال: أبداً، نصيبى كده (كذا) حُكم ومكتوب على الجبين. سكتّ ولم أواصل الحديث معه، وسرت فى إجراءات الدعوى حتى أصدرت المحكمة الحكم بحبس المتهم 7 سنوات مع نفاذ الحكم فوراً.
لكنى بعد إنتهاء الجلسة، جلست فى إستراحتى وأنا أعجب من التأثير الشديد للتراث الخاطىء. فالرجل يقود سيارته على الطريق ذهابا وإياباً، وهى تحمل أنفاراً لكل منهم حياة وآمال، ووراءه عائلة وأصدقاء، فلا يعبأ بهم ولا بحيواتهم، بل ولا يهتم لنفسه ولا بمن يقف أو يسير على جانبى الطريق، وهو يظن أن الله سوف يستر خطأه وإهمالة، فإذا وقعت الواقعة وتعرض للعقوبة، لم يأخذها على أنها جزاء عما أثم، أو تطهير له من الخطأ، لكنه يرى أنها قضاءُ كتب عليه منذ الأزل. فى ثقافة مغلوطة كهذه، لا يكون للخطأ معنى ولا يكون للعقوبة أىّ مفهوم ! ويكون عمل المحاكم من ثم عبث لا طائل وراءه.
بعد ذلك بسنوات كنت رئيساً لمحكمة جنايات أسيوط، عندما كانت المحكمة تنظر جناية قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد. من إجراءات المحاكمة أن يسأل رئيسها المتهم عن إسمه وعمره ومهنته ومحل إقامته، ليتثبت من أنه هو المقصود بالإتهام وليس شخصاً آخر زُج به بدلا منه (وهو افتراض صعب، لكنه يحدث) فأجاب المتهم على النحو الثابت فى الأوراق، واجهتـُه بعد ذلك بالإتهام (وتـَرسِمُ الإجراءات ذلك، لأنه عند إعتراف المتهم بالجريمة تختلف الإجراءات عنها إذا أنكر) فأنكر التهمة. واجهته بأعترافه فى تحقيقات النيابة، وهى تحقيقات قضائية يفترض فيها الحياد والنزاهة، لكن المتهم أجاب بجسارة عجيبة قائلاً: وأنا أقدر أقتل إلا إذا كان ذلك أمر الله، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، لقد نفذت حكم الله، وكان عمره (المجنى عليه) قد انتهى، وما كنت إلا أداة تنفذ حكم الله. لم أشأ أن أدخل فى مناقشة مع المتهم، وإنما اعتبرت المحكمة أنه أنكر الإتهام، وسارت فى الإجراءات التى ينبغى إتباعها عندما ينكر المتهم، وإنتهى الأمر بتوقيع العقوبة عليه.
استدعت هذه الواقعة إلى ذاكرتى ما حدث فى الواقعة الأولى، ودار الحديث بينى وبين زميلىّ المستشارين عضوى المحكمة ونحن جلوس فى الإستراحة عن ذلك، ثم إنتهينا من النقاش إلى أنه لا جدوى من المساءلة ومن العقاب، إذا كان كل متهم يرى أن ما اقترفه من إثم، ولو كان قتلا، هو أمر الله ؛ وأن العقوبة مهما كانت هى حكم الله كذلك، وأن لا إرادة له فى الجريمة، ولا أثر على نفسه من العقوبة، لأنها قضاء الله. فلم إذن تـُوجد الشرطة وتعمل النيابة وتحكم المحاكم، فى ثقافة كهذه !؟
منذ أيام قرأت سؤالا وجهه أحد الأشخاص إلى شيخ معروف ممن يتصدون للفتوى. وكان السؤال قد أثير من قبل فى كتابى (حقيقة الحجاب وحجية الحديث) ، ولا أعرف ما إذا كان السائل قد قرأه أو سمعه أو كان قد وصل إليه من نفسه، فسأل من يستفتيه قائلاً: إن فى صحيح البخارى حديثاً نصّه (كُتب على ابن أدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة) وأضاف قائلاً: إذا كان الزنا مكتوباً من الله على المرء، فلم يُوجد فى القرآن حَدّ (عقوبة) عليه، ولماذا يعاقب الإنسان عما لا إرادة له فى فعله، لكنه فعله وهو مغلوب على أمره، بما سبق أن كتبه الله عليه، ولاراد لقضاء الله وأمره؟ فأجاب المفتى بما جاء فى كتاب "احياء علوم الدين" لأبى حامد الغـّزالى، منذ ألف عام، بأننا عبيد لله، يأمر فينا بما يشاء ويحكم علينا بما يريد. وهو أمر مُحيّر يجعل لله صورة غير مقبولة، ويجعل الإنسان فى الحياة كمّا هَمَلا، لا إرادة له ولا هدف منه.
ذلك تراث قديم وشامل، وتغييره مسئولية الجميع، من الناس والحكومات، على حد سواء ؛ وليست مسئولية كاتب أو مفكر واحد. فحسب الكاتب أو المفكر أن يشير إلى المشكلة، وتحديد الداء نصف الطريق إلى العلاج، ثم يرسم لها الحل، وعلى الجميع أن يتعاونوا معاً لتغيير هذا التراث المخطىء والذى يسىء إلى الألوهية كما يسىء إلى الإنسانية. أمّا أن يُطلب من فرد واحد أن يتحمل العبء فى كل مسألة وكل مشكلة وفى تغيير التراث وفى وقف التطرف، فهو تحميل للشخص بما فوق طاقته، فضلاً عن أنه لا جدوى منه لأن التغيير لابد أن يشمل نظام التعليم والتربية والإعلام والوعظ والإرشاد، وهى جميعاً تحت يد السلطات التنفيذية، فى البلاد العربية.
وإنا لنأسف أن يشعر البعض بالإضطهاد نتيجة الفكر الدينى المغلوط، فيخرج عن لياقات الخطاب ويوجه إلى الكاتب عبارات إستفزازية ليـُكرهه على أن يتبنى وجهة نظره، وأن يعبرّ عن رأيه كما يريد وبالطريقة التى يشاؤها هو، فيكون بذلك قد صار الوجه الآخر لعملة التطرف والإضطهاد الذى يشكو هو منه. ولم يسأل هذا المُحتد الغاضب نفسه، وماذا فعل هو لدرء الإضطهاد بينما هو يحتمى تحت اسم مستعار أو تحت صفة مدعاة؟ ولماذا لم يتوجه بخطابه الإستفزازى إلى مؤسسته الدينية، وأول واجباتها رفع الإضطهاد عنه وعن باقى الطائفة، أو يكتب إلى الصحف التى تتكلم بإسم طائفته، أو إلى أعضاء مجلسى الشورى والشـّعب من أبناء هذه الطائفة ليتولوا العمل المنظم الفعّال لرفع التعصب ومنع الإضطهاد بما لا يوجد تعصباً مضاداً وإضطهادا مقابلاً؟
إن الكاتب (شخصى) يعيش تحت حراسة الشرطة منذ عام 1980 وحتى الآن، وقد دفع الكثير جدا نتيجة رفعه المظالم عن الناس حين كان يمكنه رفع هذه المظالم. وقد حورب حرباً شعواء حتى أصبح من مظاليم القضاء وهو الذى أعطى العدل للجميع، ومع ذلك فإنه لم يغيّر أسلوبه و لا تكلم عن الخطر الذى يحيق به من كل جانب، وظل يكتب عن العدل وعن الحرية وعن المساوة وعن حق كل فرد فى أن يعبّر عن رأيه وعن معتقده بوضوح وصراحة، لا أن يبتز الآخرين لكى يرفعوا عنه ما يكون إضطهادا له (متأثرا فى ذلك بالأغنية التى تقول: يا ناس هاتوا لى حبيبى) أى إنه يعتصم بالسلبية والخفاء ويلجأ إلى عدم اللياقة فى الحديث ليقول (ياناس هاتوا لى حقوقى) .
وعلى صعيد آخر، فإننا نكتب فى موقع إيلاف، وهو موقع محترم، لا هو مجلة الكشكول ولا هو مجلة البعكوكة. وتوجد فى كل عدد عشرات المقالات. وعلى القارىء أن يتخير ما يناسب مستواه الثقافى والنفسى، فلا يطلب ولا يتوقع من الكاتب أن يكتب له فى مقالة واحدة كل ما لا يعرفه، دون أن يبذل جهداً ذاتياً فى القراءة والثقافة، وأن يدرك فى ذلك قول الشاعر:
لا تحسبن العلم تـْمرا أنت آكله .. لن تأكل التمر حتى تطلع الشجرا
وللتعليقات عادة لياقات وفيها لباقات، فعلى من يعلق أن يلتزم الموضوعية ولا يلجأ إلى الهجوم الشخصى أو الخروج عن الموضوع الذى يعلـّق عليه.
إنه ليسوء كل منصف أن يؤدى الإحساس بالتعصب والإضطهاد إلى تعصب وإضطهاد مقابل، بدلا من أن يدفع الشخص إلى العمل الجاد – من خلال المؤسسات والصحافة والأسلوب الهادىء غير المنفعل – على منع أى تعصب ورفع كل إضطهاد والتزام سواء السبيل.


الضمير والقانون(1)
المستشار محمد سعيد العشماوي

GMT 5:00:00 2007 الأحد 4 نوفمبر


ما إن تنشأ جماعة – أىّ جماعة – إلا وينشأ معها نظام لترتيب أمورها. وفى مصر القديمة، وفى حضارة ما بين النهرين قام نظامان، احدهما الضمير وثانيهما القانون، وما زال هذان النظامان حتى الآن قسيمان يتقاسمان الجماعات والدول فى شتى أرجاء المعمورة.
ففى مصر القديمة لم يكن النظام مكتوبا، ولكنه كان معروفا ونافذا، كالدستور البريطانى حالا (حاليا). فقد كان هذا النظام – لدى الحكام والحكومين – يقوم على كلمة واحد هى " ما عت " سيدة (أو ربة) الحق والعدل والاستقامة والنظام. ولم تكن هذى ألفاظ تـُلاك أو كلمات مجردة من المعانى، لكنها كانت فى فهوم المصريين وقلوبهم معانى متحققة، وتتحقق دوما. وكان الملك أول من يلتزم بها. فقد وُجد على هرم (أوناس) فى سقارة، وهو من ملوك الأسرة الخامسة، نص يقوله الملك عند محاكمته بعد الموت، فيؤكد أنه حَكَم الشعب " بماعت " أى الحق والعدل والاستقامة والنظام. وجاء فى كتاب الموتى (وصحة أسمه اعلان فى النور) أن المصرى بعد وفاته، وفى المحكمة التى تنصب له بعد هذه الوفاة، كان يقول ما يُسمّى بالاعتراف السلبى، إذ يؤكد فيه أنه لم يفعل الشر، ولم يكذب، ولم يأكل قلبه (بالحقد)، ولم يتجاوز حدوده، ولم يصم أذنه عن ماعت، سيدة (أو ربة) الحق والعدل والاستقامة والنظام.
وكان معنى سيادة الضمير وسلطان الأخلاق أن يحكم الباطن الظاهر، وأن يسيطر الداخل على الخارج. فمن صميم ذات الانسان (المصرى القديم) كانت تتدفق ماعت، صراطا واضحا للحق والعدل والاستقامة والنظام، ووحيا للاله يسكن فى القلب ويسيطر على اللسان، فتعتدل به موازين الفرد والجماعة، وتنتظم به كل شئون الحياة. فيتماسك الفرد فى ذاته ويتوافق مع الجماعة، ويتناغم مع الانسانية والكونية.. بالواقع المُعاش ذاته، وليس بنص خارجى يختلف فيه الرأى والتقدير، ويتضارب بشأنه التأويل والتفسير.
فكان مما يقال فى هذا الصدد (غذيت قلبى بماعت: الحق والعدل والاستقامة والنظام)، (إن قلب الانسان الهه، وقلبى كان راضيا عن أعمالى)، (يُعْتَرف بفضل الرجل الذى يتخذ ماعت - أى الحق والعدل والاستقامة والنظام – نبراسا ينهج نهجها، فإن ماعت أبديه، وهى تنزل مع من يقيمها إلى القبر... واسمه لا يمحى.. بل يذكر بسبب عدله.. وهكذا تكون استقامة كلمة الله)، (إن روحى هى الإله.. هى الأبدية).
فى بلاد ما بين النهرين (العراق حالا)، قامت على فترات الحضارة الأكادية فى الجنوب، والأشورية فى الشمال، (وجزء من سوريا)، ثم قامت فى الوسط حضارة بابل. وفى بابل ظهر القانون – بالمفهوم المعاصر – والذى يحكم أعمال الناس وينظم علاقاتهم من الخارج. وأشهر قانون وصل الينا – بهذا المعنى – هو قانون حمورابى سادس ملوك سلالة بابل الأولى (1792 – 1750 ق.م). وقد دونت مجموعته فى ثلاثة آلاف سطر باللغة البابلية (وهى لغة سامية) وبالخط المسمارى الأكادى على مسلة كبيرة من حجر الديورايث الأسود، نصب فى فناء معبد الرّب مردوخ، الاله الرسمى للمملكة. ويظهر حمورابى فى هذه المسلة وهو يجلس على عرشه ويتسلم بخشوع من الاله شمّاس (اله الشمس) عصا الراعى ليكون راعى الناس. وقد صُدّر القانون بعبارة مهمة على لسان حمورابى يقول فيها " إن الألهة نادتنى لأمنع الأقوياء من أن يظلموا الضعفاء، وأن أنشر النور فى الأرض، وأرعى مصالح الخلق ". وهذه العبارة مع الرسم الموجود على المسلة يشيران إلى مصدر إلهى للقانون، فكأنما أوحى به – نصا ومعنى – عن الاله شماس.
ومن نصوص القانون يظهر أنه كان يقوم أساسا على نظام القصاص Lex Talionis، ومؤداه أن العين بالعين والسن بالسن والجروح قصاص. ففى المادة 196 (إذا سيد فقأ عين ابن أحد الأشراف فعليهم أن يفقأوا عينه وإذا كسر عظم سيد آخر فعليهم أن يكسروا عظمه) وفى المادة 200 (إذا سيد قلع سن سيد من طبقته فعليهم أن يقلعوا سنه).
وينصّ القانون على قطع يد من يضرب أحد والديه (مادة 195)، وينص على الموت عقوبة على الزانى والمغتصب للأعراض. وينص على الاعدام فى جميع قضايا السرقة والنهب (المواد 6، 8، 9، 10، 11، 14، 24، 22، 25). وينص على وضع علامة على جبين من يتهم امراة بالفحشاء و لايـُثـْبت عليها ذلك (مادة 127).
وواضح من القانون أنه يميز بين الطبقات، ويفرق بين السادة والعامة. هذا فضلا عن أن مفهوم القانون - أيا ما كان – أن يحكم الظاهر الباطن، وأن يسيطر الخارج على الداخل. وفى وضع كهذا ربما لا يأسف المجرم لأنه اقترف جريمة، لكنه يسعد إن استطاع الفرار منها فلا تقبض عليه سلطة ولا يحاكمه قاض، لأنه- فى تقديره – إذ ذاك – قد فاز بالافلات من القانون، إن بمهارة وخبث، وإن بعلاقات ورشوة.
لم تكن بلاد الاغريق موحّدة، بل كانت مدنا متفرقة اشهرها اثينا واسبرطة. وقد تأثر الاغريق بمصر تأثرا شديدا، حتى كان مؤرخوهم أمثال هيرودوت و بلوتارك يرون أن العقيدة الأورفية (نسبة إلى أورفيوس) القائلة بأن الخلق يُحاسَبون بعد موتهم على ما قدموا من خير وشر فى حياتهم الدنيا، وأن الاحتفالات التى كانت تقام لفكرة البعث، مأخوذه كلها عن عبادة أوزير وايزيس المصرية.
من هذا الاتجاه، أخذ الاغريق عن مصر فكرة ماعت (سيدة الحق والعدل والاستقامة والنظام). ففى لغتهم لفظ تميس Themis، أقرب ما يكون إلى فكرة ماعت، إذ إنه يطلق على الأرباب التى يتمثل فيها نظام العالم الأخلاقى، كما يعنى العادات التى ارتضتها الأرباب وأوصت بها. وعلى ما أنف، كان لفظ تميس يطلق على العادات وعلى الآلهة التى يتمثل فيها نظام العالم الأخلاقى، وبذلك كان القانون (بمعنى مجموعة القواعد والعادات المقدسة) جزءا من الدين.
وحدث أن وقع اضطراب اجتماعى شديد فى منطقة أثينا، أمّل الناس أن يعالج القانون الشرور التى حاقت بهم جرّاءه. وحوالى سنة 620 ق.م كلف الحاكم (دراكون) مشرعا بأن يسنّ القوانين الكفيلة باعادة النظام إلى أثينا وأن يسجلها كتابة، لأول مرة فى تاريخ اليونان. بهذا بدأ القانون يأخذ صفة الصدور عن الحاكم، لا تقنين العادات والأعراف.
وحوالى هذه الفترة كان ليقورغ يحكم اسبرطة (حوالى 900 – 600 ق.م) فوضع لها قوانين. ويقول هيرودوت أن ليقورغ تلقى من الوحى فى معبد دلفى بعض المراسيم، يصفها البعض بأنها قوانين ليقورغ نفسه، ويصفها البعض الآخر بانها تصديق الهى على القوانين التى اقترحها هو.
فبلاد اليونان – فى ذلك العهد – لم تعرف القانون بالفهم والشكل والأسلوب الذى عرفته به بلاد ما بين النهرين، وإنما أدركته بالفهم المصرى القديم، من أنه قواعد وعادات مقدسة أوصى بها الاله ومثلتها لهم ماعت، كما فهمت بلاد اليونان القانون بعد فترة بفهم آخر، هو أنه قواعد وعادات مقدسة أوصت بها الأرباب، أو أقرتها بعد أن نشأت ووضعت (كما حدث بالنسبة لقوانين ليقورغ – كما تقول احدى الروايتين). فتأكد اعتبار آخر للقانون، على تقدير أنه أداة سريعة للاصلاح يمكن أن يصدرها الحاكم، أو مشرعين له فورا، فتذهب الفوضى وتنتهى الاضطرابات، كما حدث فى أثينا على عهد دراكون.
(يراجع – كتابنا روح العدالة). وللدراسة بقية.



الضمير والقانون (2)
المستشار محمد سعيد العشماوي

GMT 5:30:00 2007 الأحد 11 نوفمبر


فى عام 594 ق.م حكم صولون أثينا فى أوار نار مضطربة بسبب حروب الطبقات، فمُنح سلطة مطلقة لإخماد نار هذه الحرب واعادة الاستقرار إلى دول المدينة (Polisstate) ولجأ صولون إلى
الضمير والقانون(1)
القانون كأداة سريعة يعيد بها تنظيم السلطة وتوزيع الثروات، فاستغله فى ذلك الغرض استغلالا تاما، يشير بوضوح إلى الطريقة التى يكون بها القانون – كأداة فى يد الحاكم أو السلطة المسيطرة – سبيلا للتأثير فى الناس ولتغيير حركة القوانين الطبيعية والاقتصادية، أو تعديل مسارها.
وللتدليل على ذلك تشير الدراسة إلى عمل اقتصادى مهم، يكاد يكون أول عمل معروف فى التاريخ يستغل القانون لاحداث تعديلات اقتصادية، ومن ثم اجتماعية.
ذلك أن صولون – كما يقول أرسطو وبلوتارك – خفض سعر العملة، بقانون وليس عن طريق اصلاح متئد للنظام الاقتصادى، فجعل قيمة العملة الرسمية (المينا mena) مائة دراخمة بعد أن كانت قيمتها من قبل سبعين دراخمة.. وبهذا أصبحت قيمة العملة التى تـُدفع فى وفاء الديون وفى المبادلات أقل مما كانت من قبل، وإن كان العدد واحداً. وكان فى هذا نفع كبير للذين يريدون أن يسددوا ديونهم، ولم يكن فيها خسارة على الدائنين.
هذا الاستخدام للقانون كأداة لإحداث تأثير سريع وفعال فى النظام السياسى أو الاقتصادى أو الاجتماعى، ربما يبدأ استهدافا لتحقيق الصوالح العامة وخدمة الجماهير، لكنه يصبح – فى حالات كثيرة – استغلالا محّققاً لصالح الحاكم أو جماعة السلطة الحاكمة، أو الحزب الذى يساندها أو يؤيده (أى يؤيد الحاكم).
تزايدت القوانين فى أثينا بما اقتضى جمعها وتدوينها. ولما بدأ التدوين، ووضع قواعد جديدة، أصبحت العادات المقدسة (Thesmos) قوانين من وضع الانسان تسمى الناموس (Nomos). وكان لفظ المشرعين Thesmothetai يطلق فى أثينا أيام باركليز (463 – 431 ق.م) على ستة أشخاص كانت مهمتهم تسجيل القوانين وتفسيرها لاتباعها. وكان هؤلاء فى أيام أرسطو يتولون رياسة المحاكم.
وفى الكتب القانونية تحرر القانون من سيطرة رجال الدين، وازدادت على مر الأيام صبغة الدنيوية، وأصبحت نية الفاعل ذات شأن كبير فى الحكم على فعله، بعد أن كان هذا الفعل ينسب إلى قدر محتوم. وحلـّت التبعية الفردية محل الالتزامات العائلية، أى إنه قد أصبح ثـَمّ اعتبار للذات والشخص بعد أن كان الاعتبار للجماعة ككل. واسْتـُبدل بالانتقام الفردى إنزال العقاب على يد سلطة المدينة.
لما كانت حضارة روما قد نهلت الكثير من حضارة الاغريق وكانت هذه قد أخذت من الحضارة المصرية، فإنه مما لا شك فيه أن توجد أسس مشتركة بين هذه الحضارات جميعا، وبمعنى آخر، لابد أن تكون روح مصر تسربت إلى روح الرومان – على نحو أو آخر - عبْر اليونان أساسا، وعبْر غيرها كذلك.
من هذا أن فكرة " ماعت " ربة الحق والعدل والاستقامة والنظام، قد صارت عند الأغريق تميس Themis، وأصبحت عند الرومان Jus. فهذا اللفظ اللاتينى Jus يدل على معانى كثيرة منها الحق والعدالة والاستقامة ch.lebaigue,dictionnaire latin – francias
وقد تطور اللفظ – فى اللغة اللاتينية (لغة أهل روما) – كما تطور لفظ ماعت فى اللغة المصرية ولفظ تميس فى اللغة اليونانية، من معنى الحق والعدل والاستقامة إلى عدة معانى منها: قواعد أو شريعة، وأصبح يُطلق على مجموعة القوانين المكتوبة والغير مكتوبة، التى تكون نظاما قانونيا معينا. ومفاد ذلك أن لفظ Jus اللاتينى بدأ بمعنى الحق والعدل والاستقامة، ثم أصبح يعنى الطريق (أو النهج أو السبيل) للحق والعدل والاستقامة، أو للقواعد المكونة لها، ثم انتهى إلى أن يصبح كل القواعد المكونة لنظام قانونى معين (هو نفس التطور الذى حدث للفظ توراة فى اليهودية، ولفظ شريعة فى الفقه الاسلامى) وإلى جانب لفظ Jus اللاتينى يوجد لفظ Lex، بمعنى التشريع أو القانون المكتوب.
وقد كان القانون الرومانى القديم مُستمدا من القواعد والعادات الكهنوتية، فكان بذلك فرعا من الدين يغمره جو من الطقوس الرهيبة والحدود المقدسة. وكان هذا القانون أوامر تصدر وقواعد تـُطبق. ولم يكن يحدد العلاقة بين الناس بعضهم بعضا فحسب، بل كان يحدد فوق ذلك العلاقة بين الأرباب والناس. وكانت الجريمة سببا فى اضطراب هذه العلاقة وفى تعكير صفو الأرباب. وكان الغرض من القانون ومن العقاب – من الوجهة النظرية – هو الاحتفاظ بهذه العلاقات سليمة أو إعادتها هى والسلام، إذا ما اضطربا أو تعكر صفوهما.
وكان الكهنة هم الذين يُعلنون ما هو حق وما هو باطل (fas et nefas) إذ هم وحدهم الذين كانوا يعرفون القوانين والقواعد التى لا يكاد يمكن عمل شىء مشروع إلا باتباعها. وكان الكهنة فى روما هم المستشارون القانونيون وهم أول من يبدى الرأى (Responsa) فى مهام الأمور. وكانت القوانين تسجل فى كتبهم، وكانوا يحتفظون بهذه الكتب بعيدا عن متناول العامة. وبلغ من حرصهم عليها أن أتـُّهموا فى بعض الأحيان بتغيير نـُصوص القوانين لكى تتفق مع أهداف السلطة أو أغراض الأشراف أو مصالح طبقتهم (طبقة الكهانة). ثم بدأ كل ذلك يتغير عندما تم وضع ما يُسَمّى بقانون الألواح الاثنى عشر، ذلك أن العامة وجدوا أن القواعد العرفية والمبادىء القانونية يحوطها كثير من الشك، وأن رجال الدين باحتكارهم لعلم القانون كانوا يفسرون المبادىء لصالح طبقتهم أو لصالح الأشراف أو لأغراض السلطة، ومن ثم اجتمعت مطالب العامة على وضع مجموعة لتلك القواعد تكون واضحة من جانب، وميّسرة من جانب آخر. وبعد كفاح مرير ظهر قانون الألواح الاثنى عشر عام 450 ق.م.
جاء فى مدونه جستنيان (533م) أن القانون الطبيعى (فطرة الطبيعة فى الانسان) هو السنن التى الهمتها الطبيعة لجميع الكائنات الحية... إنه ليس مقصورا على الجنس البشرى، بل هو سار فى جميع الأحياء، مما يُحّوم فى الهواء، أو يدبّ فى الأرض أو يسبح فى الماء. من هذا القانون سُنة اتحاد الذكر بالانثى مما اصطلح على تسميته بالزواج. ومنه أيضا سنة التناسل وتربية الأولاد. والمشاهدة دالة على أن كل الكائنات الحية " كأنها مُدركة لهذا القانون ".
وتضيف المدونة أنه " لما كانت سنن القانون الطبيعى السارية فى جميع الأمم على السواء مُقدرة بنوع من العناية الالهية فإنها تبقى على الدوام والاستمرار ثابتة لا تتغير. وعلى عكس هذه السنن والقوانين تلك التى تستحدثها كل أمة لنفسها، فإنها غالبا ما يعتورها التغيير والتبديل، اما باجماع ضمنى من الأمة، واما بقانون لاحق يغيرها.
وفى شرح هذا القانون الطبيعى قال شيشرون أحد أعلام الرومان (106 – 43 ق.م): إن القانون الصحيح هو العقل الحق المتفق مع الطبيعة، والذى يُدخل فى نطاقه العالم بأسره، وهو القانون السرمدى الذى لا يتبدل، وليس من الحق مقاومة هذا القانون، لانه لا يختلف فى روما عنه فى أثينا، ولا فى الحاضر عنه فى المستقبل. وهو قانون صحيح ثابت عند جميع الأمم وفى جميع الأحقاب، ومن عصاه فقد أنكر نفسه وأنكر طبيعته ".
وهكذا وصل الرومان إلى التفرقة الدقيقة بين القانون الطبيعى (القلب أو الضمير) الذى يصلح فى كل زمان و مكان، فلا يجرى عليه تبديل ولا يجوز فيه التغيير ؛ وبين القانون الموضوع، الذى يشترعه الناس لأنفسهم بالقوانين أو بالفقه، فيكون متأثرا بالزمان والمكان، قابلا للتغيير والتبديل والالغاء، متى فرضت الظروف التاريخية ذلك.
للدراسة بقية، هى الفصل الثالث والأخير.

الضمير والقانون ( 3)
محمد سعيد العشماوى

GMT 4:30:00 2007 الأحد 18 نوفمبر





جاء فى مدونة جستنيان ( 530م ) – التى نقلها إلى اللغة العربية عبد العزيز فهمى ( باشا ) : ( لكى ما تـُحكم الدولة حكما صالحا فى وقت السلم وفى وقت الحرب فإنه لا يجد بدا من الاعتماد على أمرين : الأسلحة والقوانين. بالأسلحة يستمر قهر كل عدو من الخارج يقصد الدولة بسوء، وبالقوانين يُقطع دابر المظالم التى يبّيتها بعض الأهالى لبعض. وبهذا يكون ( جستنيان ) جديرا باللقبين معا، لقب نصير العدل، ولقب المظفـّر المنصور.
والعدالة، بالمعنى الذى يفهمه القانون، هو توازن بين الحقوق تـُحمل النفس عليه وتقوم به دوما. فهى توازن بين الحقوق وليست توازنا بين النفوس. وهى أمر تـُحمل النفس عليه، بالترهيب والترغيب، وليست منهاجا تسير عليه النفوس. وهى تقتضى استمرار التزامها، لأنها لا تصْدر عن تلقائية طبيعية ولا عفوية بصيرة وهذا المفهوم للعدالة – التى تركن إلى النصوص لا إلى النفوس – هو المفهوم الذى تقوم عليه عدالة القوانين طوال التاريخ، وحتى وقتنا الحاضر. هذه العدالة قاصرة غير شاملة، جزئية غير عامة، محددة غير منتشرة. فهى تتعلق بالحقوق القانونية الظاهرة، وتتناول ما يجوز للقانون أن يتناوله، فلا تشمل ما وراء الظاهر وما خلف النص، ولا يمكن أن تنظم الدوافع أو تسيطر على البواعث أو تصوغ النوايا. وهى بذلك لا تعمل، ولا يمكن أن تعمل. على إنماء ( أو تنمية ) الذات من الداخل، وإنما تقف عند اكراه الشخص بالترهيب أو إغرائه بالترغيب. إنها عدالة تضع الحدود بين الناس، لكن لا تـُوجد الحالة الروحية والوجدانية والعقلية التى تتلاحم فيها النفوس وتتوافق فيها المشاعر وتتكامل بها الضمائر. فهى بذلك عدالة سلبية، حدودها المنع من الخطأ وليست عدالة ايجابية قوامها الدفع إلى الصواب. لكل ذلك انفصل المبدأ الأخلاقى عن العدالة، فأصبحت العدالة قواعد تـُكرّر ونصوصا تـُقرر، وهى تستهدف تطويع المجتمع لسلامة الحكم أساسا، مما يُبعد القانون عن أى فكرة أخلاقية.
انتقل المبدأ الأخلاقى من ثم إلى أفكار الفلاسفة وآراء المفكرين وأحلام الجماهير. بل وجاء فى مدونة جستنيان ما يعزّزه، فقد ورد فيها – مما يدخل فى الجانب الأخلاقى :-
- كل امرء وعمله.
- لا يحسب أحد أن له إتيان ما يخل بالواجب أو ينافى مقتضى العقل أو يزرى بفضيلة الحياء، وبالجملة اتيان أى فعل تأباه مكارم الأخلاق.
- لا شىء أجدر بكرامة العقل الانسانى من حفظ العهود.
- أولى الواجبات كف الأذى عن الناس.
- لا ضرر ولا ضرار.
- الناس سواء أمام القوانين.
- ليس للنساء ولاية الأعمال العامة.
- خطأ الأخ لا يلحق أخاه.
- كل عُرف قديم شرع مُطاع.
- أيها الحد المقدس!؟ ما أحرانا بالتغنى بفضلك! لولاك لكان كل عقل مثارا للنزاع والخصام.
- من لم يأخذ فقد أعْطـَى.
- اكثروا من اصطناع المعروف وأقلـّوا من الأحقاد.
- مهمتنا غرس أصول الخير والعدالة، والتمييز بين الحق والباطل، والمباح والمحظور.
وهكذا، تضمنت المدونة إلى جانب النصوص القانونية مبادىء أخلاقية، ثم انتهت إلى ما يفيد ضرورة التربية الصحية والتنمية البشرية حتى تغرس فى النفوس أصول الخير والعدالة، والتمييز بين الحق والباطل، والمباح والمحظور. وهذا مما لا يكون إلا بحكم الضمائر وسيادة القلوب النقية والسليمة.
فى معنى غلبة الضمير والقلب على القانون قال شيشرون ( 106 – 43 ق.م ) إن الناس جميعا اخوة، وخليق بنا أن نـُعدّ العالم كله مدينة مشتركة، وأسمى المبادىء الخلقية هى الولاء لهذا الكل، ولأن يكون الحافز له هو الضمير. وكان رأى أغسطس القيصر الرومانى ( 30 ق.م – 4م ) هو رأى هوراس شاعر اللاتينية الكبير – من أن القوانين عبث لا طائل وراءه إذا لم تتغير القلوب. وقال ماركوس أورليوس ( الأمراطور من 160 – 180 م ) : علينا أن نحاول أن نستشف ما وراء جسم العالم من تماثل، وأن نتعاون معه طائعين مختارين. ومتى أدرك الانسان هذه الفكرة أدرك أن العدل هو فى كل ما يحدث، لأنه يحدث وفقا لمنهج الطبيعة. وكل شىء طبيعى جميل فى نظر من يفهم، وكل شىء يقرره العقل الكونى العام أى المنطق الكامن فى جميع الأشياء. وعلى كل جزء أن يرحب فى رضاء وابتهاج بنصيبه المتواضع وبمصيره. والاتزان هو أن يقبل الانسان مختارا كل ما تحدده طبيعة المجموع كله. ثم يضيف : الناس كلهم إخوة، أخيارا كانوا أم أشرار، وكلهم أبناء الله ينتسبون إليه. وأنا ( الامبراطور ) تكون روما وطنى، وبوصفى إنسانا يكون وطنى هو العالم كله.
وهكذا، وعلى الرغم من رقىّ الفنّ القانونى فى الامبراطورية الرومانية، فإن البعض، منهم أباطرة، أدركوا أن لا قيمة للقانون ما لم يقم على قلوب سليمة وضمائر مستقيمة.
عندما وصل نابليون بونابرت إلى السلطة فى فرنسا طلب من مشرّعيه وضع ما أصبح يسمى بقانون نابليون ( Code napoleon )، فلجأوا إلى القانون الرومانى ونهلوا منه ما يعْنيهم من قواعده، ثم أضافوا إليها كل ما أُدخل عليها من تعديلات بعد ذلك، وقنـّنوها فيما بات يُعرف بقانون نابليون.
وعندما أرادت مصر تحديث القضاء الوطنى، وامتنع رجال الفقه الاسلامى، عن تقنين الفقه ( والذى اختلط بلفظ الشريعة ) حتى يبقى حكرا عليهم ولا يعرفه المدنيون من المواطنين، لجأ المشرع المصرى عام 1883م إلى ترجمة مجموعة نابليون، واعتبرها قانونا نافذا فى مصر. ولما ألغيت الامتيازات الاجنبية بمقتضى معاهدة مونترو عام 1937م، عادت سلطة قانون العقوبات ( الجزاءات ) إلى الشعب المصرى، فصار يُطبـَّق على جميع المقيمين على أرض مصر، من مواطنين أو أجانب. ثم الغيت المحاكم المختلطة تماما فى 15 أكتوبر 1949م، وأصبح القانون المدنى المصرى يطبق على الجميع.
وفى القانون المدنى الجديد، والنافذ حالا ( حاليا ) تنص المادة الأولى على أنه ( إذا لم يوجد نص تشريعى يمكن تطبيقه حكم القاضى بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد فبمقتضى مبادىء الشريعة الاسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى القانون الطبيعى وقواعد العدالة ). ومن هذا النص يظهر أمران بجلاء ووضوح (1) أن المشرع عبّر عن مبادىء الضمير بما سمّاه القانون الطبيعى وقواعد العدالة، تماما كما جرى القانون الرومانى على استعمال تعبير القانون الطبيعى بنفس المعنى، وباعتباره يجانب القانون الموضوع. (2) أن مبادىء الشريعة الاسلامية جاءت كمصدر ثالث فى التعامل.
وقد ورد فى الأعمال التحضيرية للقانون المدنى تعليقا على تعبير " مبادى الشريعة الاسلامية " أنه القواعد المشتركة بين قواعد الفقه الاسلامى. وجاء فى كتاب الدكتور السنهورى، الوسيط فى شرح القانون المدنى (... كل من الفقيه والقاضى أصبح الآن مطالباً أن يستكمل أحكام القانون المدنى، فيما لم يرد فيه نص ولم يقطع فيه عرف، بالرجوع إلى الفقه الاسلامى ) صفحة 46.
وعندما وُضـع دستور 1971م النافذ حالا ( حاليا ) بعد ادخال تعديلات كثيرة عليه، نصّت المادة الثانية منه على أن ( مبادىء الشريعة الاسلامية مصدر رئيسى للتشريع ) ثم عُدّل النص عام 1981م لظروف سياسية لتصبح المادة (مبادىء الشريعة الاسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع ) وإذ كانَ الدستور المذكور بلا مذكرة إيضاحية تبين المقصود من تعبير "مبادىء الشريعة الاسلامية" فقد تعين الرجوع إلى القانون المدنى الذى أخذ الدستور هذا التعبير منه. وفى هذا القانون يظهر بسفور من مجموعة الأعمال التحضيرية ومن كتاب الدكتور السنهورى ( مقرر الحكومة فى وضع هذا القانون ) أن المعنىّ بالتعبير هو الفقه، وبتحديد أدق ( المبادىء المشتركة بين مذاهب الفقه المختلفة ).
نص كهذا لا يحوّل دولة مدنية إلى دولة كهنوتية، ذلك لأنه جاء أصلا فى بيان مصادر القانون، ولأن تعبير ( مبادىء الشريعة الاسلامية ) ورد فى القانون المدنى كمصدر ثالث للأحكام، فكيف يصبح نصا هذا شأنه وتاريخه ووضعه، أساسا لتغيير نظام الدولة لتتحول إلى دولة كهنوتية؟ وما هو الأساس الذى يتعلق به من يحوّل معنى النص – كمن يحول مجرى النهر – إلى مفهوم مغاير ومخالف تماما، فيجعل من الفقه، المتعددة آراؤه والمختلفة اتجاهاته، لفظا يفيد الشريعة ويعنى الاسلام.
إن نظام الحكم فى مصر، وفى كل البلاد العربية عدا القليل منها، نظام مدنى يقوم على المساواة بين المواطنين جميعا، بغير تفرقة على أساس العقيدة أو الجنس أو اللغة أو اللون أو أى شىء آخر، فالكل مواطنون، وهم أمام القانون والدستور سواء، ولا يمكن أن يتغير كل ذلك بتحريف لفظ أو برفع شعار أو بادعاء ما لا ينبغى أن يكون، من قسمة المصريين إلى مسلمين واسلاميين وأقباط.



أخلاقيات القاضي كما يراها المستشار محمد سعيد العشماوي
عندما يكون القاضى كاتباً
المستشار محمد سعيد العشماوي

فور تخرجى فى كلية الحقوق، وبعد أشهر مضت فى إستيفاء مسّوغات التعيين، والكشف الطبى، وإجراء التحريات، تم تعيينى مساعداً للنيابة العامة بمدينة الأسكندرية. وعند حلف اليمين أمام وزير العدل وبحضور النائب العام، وُجّهت إلينا نصائح مسلكية، نعمل بموجبها، ونلتزمها فى حياتنا.
من ذلك أن نعتزل الناس ما أمكن، حتى الأقارب والمعارف، خاصة من تكون له مصالح يسعى لقضائها – كما هو المألوف فى بلادنا – من خلال الصلات الشخصية والعلاقات العامة، ولو كان فيما يفعل مخالفاً للقانون مقترفاً لاثم.

وألا نتناول طعاماً فى أماكن الادارة، وبيوت العمد. وعلى من يعمل فى الأرياف أن يعد حقيبة من الخيزران يضع فيها ما يقضى به على الجوع، إن طال مجلس التحقيق، أو أن يظل على خلو بطنه إلا من الماء حتى يترك المكان ويعود إلى داره.
وألا يتعامل بالنسيئة اطلاقاً، بل عليه أن يدفع ثمن ما يأخذ فوراً، فإن كان الشىء فوق طاقته المالية فليعزف عن شرائه حتى يقتدر.
عندما تسلمت العمل فى الأسكندرية، كان لابد أن التقى برئيس نيابة الأسكندرية، فاستقبلنى وزميلى الذى كان قد عُين معى إستقبالا حسنا، وكان يقدمنا لمن يدخل إليه من وكلاء النيابه على أننا الزملاء الجدد. وهكذا من أول لحظة طالت القامة، ولم نشعر بتدرج رياسى، أو بتسلط إدارى مع الأيام، فتعلمنا مسائل عدة أهمها مسائل أربع:
أ*- أن يعتاد وكيل النيابة المحقق على أن يكون رئيساً لمجلس التحقيق، بهيبة العدالة ورهبة الحق، لا بالادعاء المرذول أو الانتفاخ الكاذب. فيكون كل من فى مجلس التحقيق من رجال الشرطة والمحامين فى وضع يلحظون فيه ذلك ويتبعونه فى تصرفاتهم.
ب*- أن يكون وكيل النيابة محايداً فى التحقيق، لا إلى هذا الجانب ولا إلى ذلك. فالتحقيق غير جمع الادلة. تـُجمع الأدلة بواسطة رجال الشرطة، أما التحقيق فهو يمحصّها، تقوية أو تفنيداً، لكن التحقيق لا يكون أبداً لجمع الأدلة ضد المتهم، حتى لا ينحرف وكيل النيابة المحقق إلى ما يكون أصلاً من عمل ضباط الشرطة.
ج- أن يكون عفاً مهذباً، فى جميع تصرفاته، وفيما يصدر عنه من أسئلة، وخاصة فى قضايا الآداب ( هتك العرض أو الدعارة وما شابه ) فتكون أسئلته عامة ويترك بيان التفاصيل للمجنى عليه، لكنه يوجهه ولا ينطق أو يكتب كلمة نابية.
د- أن وكيل النيابة عضو من أعضاء هيئة ضخمة هى النيابة العامة، التى تنوب عن المجتمع فى التحقيق ومباشرة الدعاوى الجنائية، ومن ثم فإنه حين يحقق أو يحرر قرار الإتهام يصدّره بكلمة ( نحن ) ثم يكتب اسمه، وهذا الجمع فى التعبير لا يقصد تضخيم ذاته، بل يرمى إلى التأكيد على أنه يتصرف باسم جماعة أو هيئة.

مرت الأيام حتى بلغت السن اللازمة للتعيين فى القضاء، فعـُينت قاضياً. ومن القضاء تعلمت أشياء كثيرة، مهمة للغاية، أبرزها ما يلى:
أولاً: أن القاضى رئيس الجلسة التى تنعقد فى علنية، إلا ما يقتضى القانون أو ترى المحكمة أن تنظره فى جلسة غير علنية ( سرية ) لدواعى النظام العام أو لحسن الآداب ( مثل قضايا هتك العرض والدعارة وما شابه ).
ورياسة القاضى للجلسات رياسة تكليف، بينما رياسة وكيل النيابة لمجلس التحقيق هى رياسة تشريف. يعنى ذلك أن وكيل النيابة المحقق يرأس جلسة التحقيق بحكم الواقع De Facto ، لكنه يستطيع التدخين أو شرب القهوة أو الشاى، أو يسمح لغيره بذلك. كما أنه يستطيع المحادثة تليفونياً لضرورات العمل، كأن يتصل برئيس النيابة، أو برجل الشرطة أو بالطبيب الشرعى، وهكذا.

أما القاضى فرياسته للجلسة هى رياسة تكليف De Jure ، ذلك أن القانون ينص على أن تكون إدارة الجلسة وضبطها منوطة بالرئيس، وهو القاضى وحده، أو رئيس المحكمة إن كانت دائرة ثلاثية أو دائرة خماسية.

والقاضى لا يدخل قاعة الجلسة إلا بعد أن يطفىء المدخنون سجائرهم وينهى من يشرب قهوة أو ماء غازياً أو عادياً شربه. وعندما يصيح الحاجب قائلاً: محكمة، يقف كل من فى الجلسة، مهما كان وضعه أو عمره، إحتراماً للعدالة، ولا يجلسون إلا بعد أن يجلس القاضى أو تجلس المحكمة، ثلاثية التكوين كانت أم خماسية.

والقاضى يتصرف كما لو كان فى معبد، فلا لغو ولا صياح، ولا طعام ولا شراب، ولا مضغ ولا تدخين، له أو لغيره. كما أنه لا بد أن يضع فى تقديره أنه كمن يجلس فى غرفة من زجاج، فالجميع يراقـب كل حركة له أو لفتة، ويؤول كل كلمة له أو سؤال، وقد يكون التأويل صحيحاً أو مخطئاً، ولكنه لا ينبغى أن يدع للتأويل أو التفسير المخطىء سبباً وجيهاً.

والقاضى فى الجلسة، لا ينطق باسمه أبداً، ولا يتكلم بضمير المخاطب ( أنا، لكنه يقول دائماً: المحكمة رأت كذا، المحكمة قررت كذا، المحكمة سألت المتهم، حكمت المحكمة بكذا ). وهكذا دواليك،فالذى يتصرف ويقرر ويقدّر ويحكم إنما هى المحكمة وليس شخص القاضى.
ثانياً: ويتأدى من ذلك أن يترسخ فى مفهوم الحضور فى الجلسة، على مدى الأيام، أن القاضى ليس شخصاً لكنه هيئة. وهو بمقامه كرئيس للجلسة، أرفع من أى مقام، وآسمى من أى رتبة. فهو لا يُحيّى ولا يُحّيا، ولو دخل عليه والده أو رئيس الدولة أو وزير فى الوزارة، فهو لا يقوم له ولا يحييه ولا يرد تحيته، لان مقام القضاء أعلى من أى مقام.
ثالثاً: ومقام المحكمة ( غير الشخصانية ) أعلى من أى خصومة، أو انحياز، أو رغبة فلابد أن يمتلىء يقين الناس دوْماً بعدالته ونزاهته وحسن تقديره، ثم يتسامع الناس بذلك، فتكون سمعته سبباً فى إطمئنان الخصوم له، خاصة وأنهم لا يقرأون الأسباب التى يكتبها فى كل حكم.
وإذا ما وقعت جريمة فى الجلسة، ولو كانت اهانة المحكمة بالفـْعل أو القول أو الإشارة، فإن القاضى يوجـه تهمة إهانة هيئة المحكمة إلى المتهم ويسمع دفاعه ثم يقضى فى الاتهام، وهو بذلك يجمع بين يديه سلطتى الاتهام والحكم. لكنه إذا ما حكم بإدانة خصْم فى قضية، فإن حكمة فى جريمة إهانة هيئة المحكمة، لا يمْـنعة ولا يحجبه عن الفصل فى الدعوى الأصلية، أى أن الحكم لا يجعله غير صالح للنظر فى الدعوى الأصلية، لأن الحكم فى جريمة إهانة هيئة المحكمة لا يجعل من القاضى خصماً لمن حكم عليه، ذلك بأن المحكمة آسمى وأرفع من أن تـُهان ، أو تأخذ الأمور على محمل شخصى، ولذلك يظل القاضى صالحاً للحكم فى الدعوى التى قضى فيها ضد أحد الخصوم، لاهانته هيئة المحكمة، لأنه كان بذلك يقيم النظام وينشر العدل ولم يكن يصدر عن ضغينة شخصية.
رابعاً: والقاضى لا يستمع ولا يتتبع ما يقوله الناس أو ما يشاع فى المجتمع عن واقعة يقضى فيها، ذلك أنه مقيد بأن يحكم على مقتضى ما فى ملف الدعوى من أوراق، أو ما يبديه الدفاع فى مرافعته، لكنه لا يمكن أن يبنى عقيدته على الشائعات المطلقة أو الأقوال السائبة، خاصة فيما يسمى بقضايا الرأى العام، التى يحكم فيها الناس بغير علم، ويدينون دون دراية ؛ ويستثنى من ذلك العلم العام بالحروب أو الكوارث أو ماشابه.
خامساً: وعلى القاضى أن يتجسد بالعدالة وهى تعصب عينيها وترفع بالميزان مضبوطاً، فلا ترى شخوص الخصوم أو مراكزهم أو وظائفهم ؛ ولا تجنح تحت ضغوط المجاملة أو تجمح لارضاء سلطة أو جماعة أو هيئة.
سادساً: يلتزم القاضى فى تصرفاته بالجلسة ومع المتهمين والشهود والمحامين، مبادىء أخلاقية ( Ethical code ) يتشبع بها حتى تصدر عنه طلقةً بغير جهد.. فهو إن دان متهمة فى قضية دعارة لا يقول لها " يا عاهر " وإن قضى على مذنب فى جريمة قتل لا يقول له "يا قاتل ".. وهكذا، حتى لا يرتكب جنحة سب فى حق متهمين أو جناةً. كذلك فإنه حين يكتب الأسباب ( الحيثيات ) لا يقول فيها مثلاً إن الجانى قاتل سافل ومجرم خطير ولا يقول إن المتهمة عاهر داعر.... وهكذا، إنما يكتفى بأن يكتب أنه قد ثبت للمحكمة أن المتهم ارتكب الجريمة المنصوص عليها فى المواد كذا من قانون العقوبات، بما يقتضى توقيع عقوبتها عليه.
سابعاً: والقاضى لا يبرم أمراً أو يصدر قراراً أو يقضى بحكم فى أى دعوى إلا بعد أن يقرأ جميع الأوراق، ورقة ورقة، ثم يكتب للحكم، ولبعض الأوامر والقرارات أسباباً ( حيثيات ) تشرح لـَِم صدر الأمر أوْ القرار، وتبين فى الأسباب وقائع الدعوى، ودفاع الخصوم، والأسباب التى بُـنى عليها الحكم، بتفصيل واف، وإيجاز غير مخل. وفى القضايا المدنية ينطق القاضى بالحكم فى الدعوى مشفوعاً بأسبابه، أما فى المواد الجنائية ( جنايات وجنح ومخالفات ) فإنه وإن كوّن الأسباب قبل النطق بالحكم، يحررها فى مدة 30 يوماً، وإلا سقط الحكم إن لم يوقع على النسخة النهائية للحكم، بما يترتب على سقوط الحكم من نتائج خطيرة، يسأل القاضى عن بعضها ومن ثم فإنه يحيا طوال عمره ملتزماً بالمواعيد، مواعيد فتح الجلسات، ومواعيد ايداع الأسباب.. وهكذا. وهذا الالتزام يصبح جزءً من طبيعته وبعضاً من كيانه.
ثامناً: ومن المقرر فى كتابة الأسباب أن يلتزم القاضى بما يسمى فى المنطق Occam′s Razor أى نصل أوكام، بما يقتضيه ألا يتزيد فى الأسباب أبداً. فإن أقيمت أمامه دعوى من شخص يطالب بريع من آخر عن شغله عقاراً له، فإن الأسباب، إن لم تجد أن العقار مملوك للمدعى – تقف عند ذكر ذلك ولا تتعدى كى تقول إن العقار مملوك لفلان ( وتحدد اسمه )، ذلك بأن ملكية الثالث للعقار لم تكن هى المطروحة أمام المحكمة، ولأن هذا التقرير فيها يعتبر تزيداً فى الأسباب لا يعتد به، وفى ذلك الأمر صدرت بحوث ودراسات كثيرة.
تاسعاً: ومن المقرر فى تحرير الأسباب ألا يلتزم القاضى بتعقب كل دفاع للمتهم، وبعضها يكون كثيراً أو غير ضرورى أو خارج عن نطاق الدعوى، إنما بحسبه أن يقيم حكمه على دعائم قوية وركائز سليمة، موجودة فى الوقائع وثابتة فى الأوراق.
عاشراً: بمجرد أن يوقع القاضى الصورة الأصلية للحكم تنتهى صلته بالواقعة، فهو لا يتابعها إستئناف أو نقضاً، ولا يدافع عن حكمه إن تعرض لنقد صحيح أو جائر، لأنه لا يمكن للقاضى أن يمضى نصف عمره فى إصدار الأحكام، ثم يمضى النصف الثانى فى الدفاع عنها. إنما إذا خرج النقد والتعليق عن الحدود اللائقة جاز للقاضى أن يتخذ إجراءات قانونية لتحميه من غلو النقد.
هذه هى المبادىء والقواعد والأسباب التى تعلمتها وطبقتها وتشربتها طوال عملى القضائى منه رئيساً لنيابة وسط القاهرة ( التى هى أهم نيابة فى مصر ) ثم كمستشار ورئيس لمحاكم الجنايات ومحاكم أمن الدولة العليا. وأحكامى منشورة فى مجموعات قانونية كثيرة، وموجودة بين أيدى الناس، وقد تـُرجمت أحكام فيها إلى اللغة الإنجليزية، وقدمت لى منظمة المحامين الدولية عام 1994م جائزة بإعتبارى رجل العام، فى حكم القانون ورعاية حقوق الإنسان.

ولما بدأت الكتابة، بتأليف الكتب أولاً ثم فى النشر بالصحف بعد ذلك، كانت للكتابة مراسم وتقاليد، فلم يكن يقربها إلا من تأهل لها بالعلم والشعر والأدب، العربى والعالمى، ومن كان – إلى ذلك – يحترم قلمه ويحترم نفسه وغيره. وبعد ذلك، ونتيجة لما حدث على الساحة السياسية والإقتصادية والإجتماعية فى العالم العربى كله صارت الكتابة مهنة من لا مهنة له، يقوم أغلبها على اللغو والحشو، والتسويد بلا تجديد، والمدح أو القدح، فهى غالباً ما تكون بغير فهم ودون فكر، مقالات إخبارية، أى تجمع من الأخبار فى موضوع معين ما حدث فيه لتكتبه دون أن يفكر الكاتب أو يسأله قارىء، فيم كان ذلك، ولم كان، وما المقصود منه إلا ملؤ الفراغ ونشر الاسم. وأحياناً ما تكون المقالات تهكماً أو سباً أو قذفاً يتعين أن يترفع النّـشر عنه. وربما كانت تقعراً فى موضوع لم يقرأ فيه الكاتب كما ينبغى أو لا يعرف كنه الأمور، فيستفز آخر حتى يكتب له ما لا يستطيع هو، ولا استطاع، أن يصل اليه ؛ ذلك أن العلاقات، لا الكفاية، هى أساس الانتشار فى العالم العربى، وبهذا لا يهتم البعض ولا يجد وقتاً ولا مراجع يستقصى منها عناصر ما يكتب فى هذا اللغو والحشو والجهل والغباء، والسطو والإدعاء. ويجد من تكون لديه أخلاقيات القاضى – مثلى – نفسه وقد أعتصم بما نُـشـّىء عليه من مبادىء وما صار فى كيانه من أصول، ليكتب بعد دراسة وينشر بعد فحص ولا يرد سهما طائشاً أو يصد قولاً فارغاً.

وقديماً قال الشاعر:
انى لأفتح عينى حين أفتحها .. على كثير ولكن لا أرى أحدا

_________________
المستشار التحكيمى
طارق مجاهد العربي
المحامى
بالاستئناف العالي ومجلس الدولة
عضو اتحاد المحامين العرب
عضو اتحاد المحامين الافرواسيوى
مستشار ومحكم معتمد لدى مركز التحكيم الدولي
محكم معتمد لدى مركز تحكيم حقوق عين شمس
محكم معتمد لدى المركز الدولى للتحكيم والتوفيق
والوساطة والملكية الفكرية
عضو مؤسس للاتحاد العربي لمراكز التحكيم الهندسي
0106089579&0123034902
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://almostsharaltahkemy.dahek.net
 
مذكرات قاضى....ج1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اتحاد محامي الادارات القانونية :: الفئة الأولى :: اخبار المحامين-
انتقل الى: